Download the original attachment
على أعتاب طفل شارع...
فاكرة أول مرة اتعاملتي فيها مع طفل شارع كانت امتى ؟ ... في ليلة من ليالي الشتا وانا راجعة من واحد من المؤتمرات اللي كنا بنعملها في سياسة واقتصاد نزلت في رمسيس عشان أغير وآخد حاجة لمدينة نصر... كنت طبعاً لابسة فورمال لأننا كنا في عز أيام المؤتمر ... ونزلت عند منزل 6 أكتوبر في رمسيس وكان المفروض أنا أتمشى لحد قدام مسجد الفتح عشان ميكروباصات مدينة نصر بتبقى واقفة هناك... أطفال الشوارع ماليين ميدان رمسيس ودي مش حاجة محتاجة قوة ملاحظة ولا أي حاجة.... بس تحت منزل الكوبري كان فيه حاجة مختلفة... كان فيه حتة كارتونة مفرودة عالأرض وعليها ولد تاه عن العالم اللي احنا فيه ونسي إنه وسط أصخب ميدان في مصر وركن ضهره عالحيطة ورفع وشه للسما واترسمت على جسمه كل مظاهر الإرهاق والتعب... وفضل في الركن ده... كاشش فيه ... مابيكلمش... مابيتحركش...قاعد مهدود وبس...
وعديت من جمبه وكملت طريقي في اتجاه الميكروباصات... بس حسيت إني هربت ودار في نفسي حوار عشان أرجع:
ما أطفال الشوارع ماليين البلد... إشمعنى ده يعني اللي هتقفي قدامه ؟
بس هو ده طفل شارع ؟
طالما قاعد تحت الكوبري ومالوش بيت ولا أهل يبقى طفل شارع...
بس ده شكله مش طفل شارع...
إيش عرفك...
شكله كده... شكله لسة مادخلش عالم الشارع
إزاي يعني ماهي هدومه وشكله ومنظره كله كله بيقول إنه بقاله فترة في الشارع...
لأ، شكله لسة مش طفل شارع...
أيوة يعني إيه اللي مخليكي متأكدة
مش عارفة... بس ده لسة مابقاش طفل شارع
على فكرة... ده ممكن يبقى خطر عليكي...
استني بس... أنا هارجع ونبقى نشوف...
ورجعت له ... وفعلاً محمد ماكانش طفل شارع ... كان طفل لسة جاي الشارع... لسة هايدخل العالم ده... لسة جاي طازة من بلدهم في القطر بعد ماهرب من أبوه اللي ضربه وطرده من البيت عشان الأسطى بتاعه طرده من الشغل... حلف محمد ماهو قاعد في البلد بعد انهاردة وخد القطر ومشي...
محمد كان بيكلمني وعينيه تعبانين... ماطلبش مني أي حاجة... أهيه واحدة جات تسأله عن حكايته وهتمشي وتسيبه للبرد تحت الكوبري...بس ماكانش ينفع أسيبه... فيه حاجات في كلامه... في تعابير وشه... في حركاته بتقول إنه لسة مابقاش طفل شارع وإن لو سبته هبقى سبت طفل شارع جديد يتولد...
طبعاً جه عسكري يسألني "إيه يا أبلة الواد ده عملك حاجة ؟" ولما لقى الموضوع مافهوش حاجة حب يوعيني يعني حيث إن أنا لسة صغيرة وعلى نياتي إنه أحسن لي أبعد عن العيال دي وماتعبش نفسي معاهم... طبعاً ماكانش ينفع أرد غير بابتسامة بلهاء من نوعية "طب اتفضل حضرتك مشكرين" انصرف بعديها العسكري غير مأسوف عليه... بس أنا اللي جه في ذهني الفلاير بتاع قرية الأمل اللي كنت شفته في مكان ما عندنا قبل كده في البيت... وبقى اللي على بالي إني أوصل محمد لقرية الأمل عشان هما يتصرفوا معاه. وطبعاً لأني ساعتها لا كان معايا لا نمرة القرية ولا عنوانها، اتصلت بالبيت عشان آخد عنوان القرية في مدينة صر وأوصل محمد قبل ماروح... كل ده ومحمد لسه همدان وتعبان... لا عنيه برقت لما فتحت الشنطة ولا لما طلعت الموبايل أكلم البيت ولا طلع يجري ويقول الولية دي مجنونة ولا أي حاجة... مسلم أمره لربنا ومستسلم للي هتحكم بيه الأقدار... أنا قلت الولد ده لسة ما بقاش طفل شارع...
طبعاً البيت اتخضوا لأنهم مش شايفين الولد اللي قدامي بس بعد مفاوضات مبنية على أساس إن الولد ده لسة مش طفل شارع أو لسة مابقاش خطر، وصلنا إلى إن أنا هاجيب محمد في إيدي وأنا جاية...
طبعاً المنظر ماعجبش ناس كتير ولا الريحة بصراحة ومنادي الميكروباص كان مستغرب ومش فاهم بالظبط أنا باعمل إيه لأن طبيعي يعني الأخصائيين الاجتماعيين مش بينزلوا يلموا أولاد الشوارع بالبدل رسمي كدة... وقريت على وش الناس ميت سؤال وسؤال وشكوك وتوجسات وعلامات استفهام بس في النهاية ولا حاجة من الحاجات دي هاتساعد محمد، فمن الآخر يعني طظ...
ومن البيت على قرية الأمل، طلع إنه ماينفعش نسيب محمد هناك لأن الفرع اللي رحناه كان فرع الإدارة ومش بيستقبل حالات جاية على طول من الشارع عشان كل مرحلة من مراحل أطفال الشوارع ليها معاملة خاصة... لكنالقرية قالت إنه من بكرة الصبح هاتبتدي تتصل بالمراكز اللي تعرفها في بلد محمد عشان نعرف نرجعه لأهله... طبعاً محمد رغم إنه لسة مش طفل شارع لكن مش دايماً بيقول الحقيقة وكذب في حاجات كتير وناقض نفسه في حاجات كتير لحد ماعرفنا هو من فين بالظبط ومن أني بلد بس ده عادي... عادي إن الطفل يكدب عشان يجمل صورته عشان في الآخر محتاج مساعدة... بس مش مساعدة مادية... مساعدة معنوية... محتاج إيد تحن عليه وحد يطبطب علي راسه وحضن يضمه... مش أكتر من كده... حق مشروع...
اليوم التاني، كان محمد في وسط أهله... محمد كان بقاله اسبوعين بيلف مصر... من بلده على اسكندرية ومن اسكندرية على مصر وماكانش لسة وقع في إيدين التوربيني ولا عمله شلة تحميه من أهوال الشارع... وفي الأسبوعين دول كان أبوه قالب عليه البلد ومش لاقيه... هو آه ضربه بس ماكانش قصده يطفشه... ماهي المشكلة في "ماكانش قصده" دي... مجتمعنا بيضرب الطفل وكأن دي حاجة عادية جداً... بيفتري عليه عشان كده هيتربى صح... وبيمسح بكرامته الأرض عشان يتعدل... وفي النهاية محمد بيهرب من البيت عشان يقول لأهله كده كفاية ! وبيبني مجتمع على هامش المجتمع ... ويحط بنفسه فانون العالم الجديد... المهم أبو محمد ماكانش مصدق نفسه...
بعدها بشهر وفي يوم جمعة الساعة تمانية الصبح (يعني في عز ما الكل نايم), دق الجرس وكان أبو محمد... صحي من الفجرية وركب القطر ساحب في إيده شوالين رز من المحصول بتاعه وجايبهم هدية عشان رجوع محمد كان عنده بالدنيا...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق